بغداد/المدى
تحوّل قطاع الاتصالات في العراق خلال السنوات الأخيرة من مجرد مرفق خدمي إلى هدف استراتيجي تتنافس عليه القوى المسلحة، بعد أن أدركت الجماعات المدعومة من الخارج أن السيطرة على تدفّق البيانات توازي في أهميتها السيطرة على النفط. فالإنترنت لم يعد فضاءً للتنمية فحسب؛ بل أصبح بوابة للمراقبة، والتحكم بالرأي العام، وخلق موارد مالية جديدة خارج الحسابات الرسمية للدولة.
السيطرة على الإنترنت
يشير تقرير لـمايكل نايتس إلى أن الجماعات المسلحة في العراق تتعامل مع الاتصالات بوصفها أداة أمنية وسياسية واقتصادية. فامتلاك القدرة على مراقبة الاتصالات، والتنصت، وتتبع الأفراد، وبيع السعات الدولية إلى الخارج مقابل عملات صعبة، يمنح هذه القوى استقلالية تمويلية، ويشكّل شبكة اقتصادية موازية لا تخضع للسيطرة الحكومية.
ويكشف التقرير أن هذا النهج مستورد من النموذج الإيراني الذي تأسس بعد احتجاجات 2009، وتم نقله إلى لبنان واليمن قبل تطبيقه في العراق. يقوم هذا النموذج على إنشاء بوابة إنترنت مركزية واحدة، والتحكم بالمؤسسات المنظمة للقطاع، وبناء بنية تتيح عزل الدولة رقمياً عند الحاجة وخنق الشبكة أو توجيهها سياسياً وأمنياً. وهكذا يصبح الإنترنت امتداداً للهيمنة الأمنية، لا منصة لخدمة المواطنين.
2022 فصاعداً.. مرحلة تمكين الهيمنة
بحسب التقرير، تسارعت هذه السيطرة بعد عام 2022 ومع تشكيل حكومة محمد شياع السوداني. إذ تحولت وزارة الاتصالات وهيئة الإعلام والاتصالات إلى أدوات تنفيذية تُستخدم لتمرير قرارات تخدم الجماعات المسلحة المرتبطة بالإطار التنسيقي. ولم يعد دور هذه المؤسسات تنظيمياً أو رقابياً، بل واجهات قانونية تمنح غطاءً رسمياً لعملية اختراق ممنهجة تتيح للقوى الموازية الإمساك بمفاصل القطاع.
عقود “المهندس العام”..
تمويل وهيمنة
أخطر خطوات هذا التغلغل ظهر في العقود الممنوحة لشركة المهندس العامة، التابعة عملياً لقادة في الحشد الشعبي ومرتبطة بكتائب حزب الله. وزارة الخزانة الأمريكية كانت قد كشفت أن الشركة تعمل قناة لتحويل الأموال من العقود الحكومية إلى الجماعات المسلحة عبر التعاقد من الباطن، ما يجعل مشاريع البنية الرقمية أدوات تمويل مباشر لجهات خاضعة للعقوبات الدولية.
ولا يقف الخطر عند الجانب المالي؛ إذ تمنح هذه العقود الشركة وصولاً مباشراً إلى شبكات الألياف الضوئية الوطنية الممتدة على طول الطرق الرئيسة. هذا الوصول يتيح اعتراض البيانات، نسخ الإشارات، والتحكم بحركة المعلومات، ما يعني تحويل الإنترنت العراقي إلى “غرفة مراقبة” بيد فاعلين خارج سيطرة الدولة.
عقود تمرّ بلا مناقصات
التقرير يوضح أن العقود لم تُمرّر عبر مناقصات تنافسية، بل تمت بسرعة غير مسبوقة بعد رسالة عاجلة رفعتها وزيرة الاتصالات في نيسان 2024، متذرّعة بزيادة الطلب على الإنترنت. لكن الإجراءات المعتادة تم تجاوزها بالكامل، بل إن العقود لم تُذكر حتى في المحاضر المنشورة لمجلس الوزراء. هذا الأسلوب يعكس أن الهدف سياسي وأمني، لا تنموي.
معدات اتصال متقدمة بيد الحشد
وبالتوازي مع السيطرة على الألياف الأرضية، حصلت هيئة الحشد الشعبي على معدات اتصالات متطورة، بعضها يتضمن تقنيات ذات منشأ غربي، تُستخدم لإنشاء شبكة اتصال مستقلة وآمنة خارج الرقابة الرسمية. ويشير التقرير إلى أن هذا يعكس عمق الاختراق الذي بلغته الجماعات المسلحة داخل منظومة الاستيراد الحكومي والبنية التقنية للدولة.
سباق الجيل الخامس
بعد سنوات ظل فيها العراق محصوراً بين الجيلين الثالث والرابع، شهدت البلاد منذ أواخر 2024 اندفاعاً مفاجئاً للسيطرة على شبكات الجيل الخامس. ظهرت تحالفات تضم رجال أعمال مرتبطين بأحزاب في الإطار التنسيقي، وسُوِّق المشروع عبر واجهات استثمارية أجنبية لمنحه الشرعية. لكن الهدف، وفق التقرير، لم يكن تحسين الخدمة، بل احتكار الجيل الخامس سياسياً وأمنياً.
هذا الوضع دفع جهات مختصة في الأمن الوطني إلى إيقاف عقد الجيل الخامس في أكتوبر 2025، لمنع تمريره قبل الانتخابات العامة، في خطوة تعبّر عن إدراك رسمي للمخاطر السيادية المترتبة على تسليم شبكة الجيل الجديد لتحالفات ذات طابع ميليشياوي.
احتلال غير مرئي
يخلص التقرير إلى أن العراق لا يواجه مجرد فساد إداري أو خلل في تنظيم قطاع الاتصالات، بل يواجه نموذجاً جديداً من الاحتلال غير المرئي. احتلال لا يستخدم الدبابات، بل الكابلات والخوادم والهوائيات. ولا يعتمد على البنادق، بل على البيانات. وإن استمر هذا المسار بلا ردع، ستفقد الدولة العراقية سيادتها الرقمية بالكامل، ويتحول المجتمع إلى فضاء مراقَب تديره شبكة ظل إقليمية تمتد من طهران إلى بغداد.
عن تقرير مايكل نايتس – مجلة “سنتينل” لمكافحة الإرهاب