وفي المقابل، يصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب المحادثات الجارية بأنها “الفرصة الأخيرة” أمام إيران، بينما تتحرك طهران، بحسب مراقبين، لاستثمار هذه المهلة في إعادة ترتيب أوراقها الإقليمية، من العراق واليمن إلى لبنان، حيث تحاول استعادة نفوذ حزب الله بعد تراجعه، في وقت أحبط فيه الجيش اللبناني محاولة تهريب صواريخ إلى الحزب من سوريا. فهل تقف إيران بالفعل أمام لحظة حاسمة، أم أنها تواصل إدارة الأزمة بالوتيرة نفسها؟.
المماطلة.. استراتيجية لإدارة الوقت
يرى رئيس مركز المشرق للدراسات الاستراتيجية، زيد عيادات، خلال حديثه إلى “غرفة الأخبار” على سكاي نيوز عربية، أن ما يجري اليوم يشبه الدعاية الشهيرة لمنتجات الشامبو: “اغسل، اشطف، كرّر”، في إشارة إلى نمط متكرر من التصعيد ثم التهدئة، يعقبه تفاوض قبل العودة مجدداً إلى التصعيد، من الجانبين على حد سواء.
ويعتبر عيادات أن الزمن أصبح جزءاً من أدوات القوة التفاوضية، وليس مجرد عامل لتأجيل الحلول. فواشنطن، بحسب تقديره، تعتمد سياسة تقوم على “الاحتواء المُدار والتصعيد المحسوب”، عبر مزيج من العقوبات الاقتصادية والحصار البحري والضغوط العسكرية، بهدف دفع طهران إلى تقديم تنازلات، مع تجنب إسقاط النظام أو إذلاله، والتركيز بدلا من ذلك على تغيير سلوكه.
في المقابل، تراهن إيران، وفق عيادات، على عامل الوقت، وعلى استحقاقات سياسية مقبلة، مثل الانتخابات الأميركية والإسرائيلية، إضافة إلى الضغوط التي قد تتعرض لها الاقتصادات العالمية نتيجة استمرار الأزمة، بما يدفع حلفاء واشنطن إلى الضغط باتجاه تسريع التسوية.
ويرفض عيادات الرواية الإيرانية التي تعتبر أن مشاركة ملايين الإيرانيين في تشييع المرشد تعكس دعماً شعبياً للنظام، معتبراً أن ذلك يدخل في إطار ما تعرفه العلوم السياسية بنظرية “الالتفاف حول العلم”، حيث تتوحد الشعوب مع أوطانها خلال الحروب، لا بالضرورة مع الأنظمة الحاكمة، قبل أن تعود إلى محاسبتها بعد انتهاء المواجهة.
هرمز.. الأمن قبل الاقتصاد
وفي ما يتعلق بمضيق هرمز، يرى عيادات أن إيران ستضطر في نهاية المطاف إلى فتح المضيق عندما تدرك أن بقاء النظام يتطلب ذلك، مرجحاً أن يقود المقترح العُماني، المستند إلى نموذج إدارة مشابه لمضيق ملقا، إلى تسوية في نهاية المطاف.
في المقابل، يقدم الأكاديمي حكم أمهز قراءة مختلفة، إذ يرى أن جوهر الخلاف لا يتعلق بحرية الملاحة أو حتى برسوم العبور، بل بإصرار إيران على أن يكون لها دور مباشر في الإشراف الأمني على حركة الملاحة داخل المضيق، باعتباره، من وجهة نظرها، جزءاً من أمنها القومي.
ويؤكد أمهز أن طهران لن تقبل بأي تفاهم قبل تنفيذ 5 شروط أساسية، تتمثل في فك الحصار عن المضيق، وإبعاد القوات الأميركية عن المنطقة، وإنهاء الحرب، ورفع العقوبات عن صادرات النفط والبتروكيماويات، إضافة إلى الإفراج عن الأسرى الإيرانيين.
وعن الساحة اللبنانية، يرى عيادات أن لبنان استعاد، للمرة الأولى منذ أكثر من عقدين، جزءاً كبيراً من استقلالية قراره السياسي بعيداً عن نفوذ حزب الله وإيران.
ويشير إلى أن الحزب سبق أن وافق على تسليم سلاحه مقابل وقف الاعتداءات الإسرائيلية بعد ما عُرف بـ”حرب الإسناد”، لكنه لم ينفذ التزاماته، ما أدى إلى صدام مع الدولة اللبنانية.
ويرى أن التحدي الأكبر أمام طهران اليوم يتمثل في نجاح الدولة اللبنانية في الفصل بين قرارها الوطني والمشروع الإيراني، رغم استمرار محاولات طهران إعادة ترميم نفوذها عبر حلفائها، مع تأكيده أن القوى السياسية اللبنانية الأخرى تتحمل أيضاً مسؤولية الفساد والأزمات الداخلية.
من جهته، يطرح الأكاديمي حكم أمهز سيناريو انتصار إيران وما قد يترتب عليه من تغييرات جيوسياسية في المنطقة، ليقاطعه عيادات محذراً من أن هذا الانتصار سيعني، بحسب تعبيره، فرض هيمنة إيرانية على كامل المنطقة، وهو “الحلم الإيراني” الذي تسعى إليه طهران منذ 47 عاماً، في مفارقة يراها مطابقة تماماً للخطاب الإسرائيلي حول “الشرق الأوسط الجديد”.
ثم يؤكد عيادات استبعاده لسيناريو الانتصار الإيراني، مرجحاً أن السبب الوحيد لبقاء النظام هو رفض واشنطن ترك المنطقة لفراغ دون بديل.
ويختم عيادات حديثه بالتحذير من أن المنطقة بأسرها تقف أمام “منعطف تاريخي”، مؤكداً أن الجميع “في سفينة واحدة”، وأن مستقبل لبنان وإيران والمنطقة رهن بقدرة قياداتها على قراءة التحولات الدولية والتكيف معها.