قريباً عن دار المدى في بغداد، يصدر كتاب «تشكيل العراق المعاصر: الدور السياسي لرجال الدين الشيعة في نهاية الحكم العثماني وبداية الدولة العراقية» للمؤرخ الفرنسي بيير جان-لويزار. يقدّم هذا العمل قراءة تاريخية وتحليلية معمّقة لإحدى أكثر اللحظات حساسية في تاريخ العراق الحديث، حين تهاوت السلطنة العثمانية وبدأت ملامح الدولة العراقية بالتشكل تحت تأثير الاحتلال البريطاني والتحولات الاجتماعية والسياسية الكبرى في مطلع القرن العشرين.
وجاء في نص اعلان صادر عن هيئة دار المدى:
ما الدور السياسي لرجال الدين الشيعة بين نهاية الحكم العثماني وبداية الدولة العراقية؟ وكيف تشكّل العراق المعاصر؟
كيف تشكّلت الدولة العراقية الحديثة؟ وما الدور الذي لعبه رجال الدين الشيعة في تلك اللحظة التاريخية المفصلية؟ كتاب سيصدر قريباً بالعربية يفتح هذا الملف المعقّد عبر قراءة تاريخية وتحليلية لمرحلة نهاية الحكم العثماني وبداية الدولة العراقية.
هذا السؤال يقود إلى واحد من أهم الكتب التي تناولت نشوء الدولة العراقية الحديثة، وهو كتاب «تشكيل العراق المعاصر: الدور السياسي لرجال الدين الشيعة في نهاية الحكم العثماني وبداية الدولة العراقية» للمؤرخ الفرنسي بيير جان-لويزار (Pierre-Jean Luizard).
وسيصدر هذا الكتاب قريباً عن دار المدى في بغداد بعد أن تعاقدت الدار مؤخراً على نشره باللغة العربية مع دار CNRS Éditions الفرنسية. وقد صدر العمل في طبعته الأصلية في باريس عام 2002، ويُعد منذ ذلك الحين من أبرز الدراسات التي تناولت تاريخ تكوّن الدولة العراقية الحديثة وتحولاتها السياسية والاجتماعية في مطلع القرن العشرين.
ويعمل على ترجمة هذا الكتاب إلى العربية ثلاثة من أبرز المترجمين العراقيين عن اللغة الفرنسية، وهم أحمد الهاشم، حميد ياسين ناصر، ونبيل العزاوي، في مشروع يهدف إلى إتاحة هذا العمل البحثي المهم للقارئ العربي وإدخاله في النقاش الفكري حول تاريخ الدولة العراقية وجذور تشكّلها.
قراءة في لحظة تأسيس الدولة العراقية
يُعدّ كتاب «تشكيل العراق المعاصر» من أبرز الدراسات الغربية التي قدّمت قراءة معمّقة في البنية التاريخية–السياسية لتكوّن الدولة العراقية الحديثة. ولا يقتصر هذا العمل على تأريخ تسلسل الأحداث من نهاية العهد العثماني إلى بدايات الحقبة الملكية، بل يقدّم محاولة تحليلية لفهم العلاقة المعقّدة بين الاحتلال والطائفة والدولة، وتفكيك منطق الهيمنة الذي رافق نشوء الكيان السياسي العراقي منذ لحظة تأسيسه.
ينطلق لويزار من فرضية مركزية مفادها أن العراق الحديث لم يُبنَ على أسس عقد اجتماعي داخلي، بل نشأ في سياق احتلال أجنبي فرض ترتيبات سياسية وإدارية على مجتمع متنوع ومأزوم. ومن هذا المنطلق يركّز الكتاب على الدور السياسي الذي لعبه رجال الدين الشيعة في نهاية الحكم العثماني، وعلى التحولات التي عصفت بموقعهم بين فكرة الأمة الإسلامية ومشروع الدولة القُطرية الحديثة.
يناقش الكتاب بنية المجتمع الشيعي في بلاد الرافدين، ومواقف علماء الدين من الحكم العثماني، ثم من الاحتلال البريطاني، وصولاً إلى ثورة العشرين وما أعقبها من تحولات سياسية. ويبيّن لويزار كيف ارتبطت لحظة تأسيس الدولة العراقية الحديثة بالتحولات التي أعقبت انهيار السلطنة العثمانية، وبالدور الذي لعبته القوة الإمبريالية البريطانية في رسم ملامح النظام السياسي الجديد.
كما يسلّط الضوء على الكيفية التي تشكّلت بها الدولة العراقية في بداياتها بوصفها ترجمة لرؤية نخب حضرية–سنية تأثرت بالإرث الإداري العثماني، في مقابل تهميش التكوين الشيعي–الريفي في تلك المرحلة التاريخية.
التاريخ السياسي بين السوسيولوجيا والوثيقة
يمتاز الكتاب بلغته التحليلية الرصينة وبمنهجه الذي يجمع بين التاريخ السياسي والدراسة السوسيولوجية، إذ يعتمد المؤلف على أرشيفات عثمانية وبريطانية، إضافة إلى شهادات ومصادر محلية متعددة، ما يمنح العمل قيمة معرفية عالية.
ويتناول في فصوله قضايا عديدة، من بينها تحولات الريف ومسألة الأرض، ودور الحوزات العلمية الشيعية ومواقفها من الانتداب البريطاني، والتوتر بين النخب الحضرية المعروفة بالأفندية والمجتمع الديني، فضلاً عن الاشتباك المفاهيمي بين الأمة الإسلامية والدولة الوطنية.
راهنية الكتاب اليوم
رغم مرور أكثر من عقدين على صدور الكتاب، فإنه يكتسب اليوم أهمية متجددة، خصوصاً في ظل التحولات السياسية العميقة التي شهدها العراق والمنطقة خلال العقود الأخيرة. إذ يساعد هذا العمل القارئ العربي على فهم الجذور البنيوية للاحتقانات السياسية والطائفية الراهنة، من خلال إضاءته الدقيقة للحظة التاريخية التي بدأت فيها الطائفية تتسلل إلى بنية الدولة، لا بوصفها أيديولوجيا فحسب، بل كبنية سلطوية أيضاً.
كما يقدّم الكتاب قراءة تحليلية متميزة لتكوين الدولة العراقية من خارج السياق العربي، من دون الوقوع في المقاربات الاستشراقية التقليدية أو التعميمات الثقافوية. وبذلك يثري النقاش العربي حول شكل الدولة الحديثة في العالم الإسلامي، ويوفّر إطاراً معرفياً لفهم الانقسام السني–الشيعي بوصفه نتيجة تاريخية وبنيوية، لا مجرد خلاف لاهوتي.
إن ترجمة هذا الكتاب إلى العربية ونشره اليوم تفتح أفقاً جديداً لإعادة التفكير في تاريخ تشكّل الدولة العراقية، وفي العلاقة المعقّدة بين الدولة والطائفة والمجتمع. وهو بذلك لا يخاطب المؤرخين والباحثين فحسب، بل يوجّه أيضاً دعوة أوسع للمفكرين وصنّاع الرأي العام لمراجعة الأسئلة الكبرى التي ما زالت تحكم مصير المجتمعات المشرقية.
وسيصدر كتاب «تشكيل العراق المعاصر: الدور السياسي لرجال الدين الشيعة في نهاية الحكم العثماني وبداية الدولة العراقية» قريباً ضمن إصدارات دار المدى لعام 2026.
هيئة تحرير دار المدى