البصرة/ عمار عبد الخالق
يواجه سكان «أرض الشعيبي» في منطقة كردلان بقضاء شط العرب شرقي البصرة مصيراً مجهولاً، بعد اتخاذ إجراءات لإزالة منازلهم تمهيداً لإحالة الأرض إلى الاستثمار، في وقت يتمسك فيه الأهالي بسندات ووثائق يقولون إنها تثبت قانونية وجودهم وملكيتهم للعقارات.
ويتمحور النزاع حول القطعة 51 من المقاطعة 13، الممتدة بين نهري الشعيبي والخان، وسط تضارب بين رواية السكان الذين يقولون إن الأرض مسجلة منذ عام 1955 بسندات «طابو ملك صرف»، وموقف الحكومة المحلية الذي يعدّها أرضاً أميرية عائدة إلى الدولة.
وبحسب رواية الأهالي، فإن سندات الأرض نُشرت في جريدة الوقائع العراقية واكتسبت الدرجة القطعية، قبل أن تنتقل ملكيتها خلال عام 2017 إلى وزارة المالية، ثم إلى البلدية، وتُطرح لاحقاً بوصفها فرصة استثمارية.
ويقول السكان إن الإجراءات تتعارض مع كتاب صادر عن رئاسة الوزراء يقضي بإلغاء الاستثمارات في المنطقة، فيما تصفهم جهات في الحكومة المحلية بأنهم متجاوزون أو «حواسم»، وهو ما يرفضه الأهالي ويتمسكون بضرورة تدقيق الوثائق والسجلات العقارية قبل تنفيذ قرارات الإزالة.
عائلات تعيش منذ أجيال
وقال مختار المنطقة محمد مشير، لـ«المدى»، إن عائلات أرض الشعيبي تعيش في المنطقة منذ أكثر من 200 عام، مؤكداً أن سكانها «أبناء الدولة» وليسوا متجاوزين على أملاكها.
وأضاف أن الأهالي تبلغوا بإخلاء منازلهم تمهيداً لمنح نحو 130 دونماً إلى مستثمر، معتبراً أن تنفيذ القرار سيمثل انتكاسة كبيرة للعائلات، ولا سيما أن عدداً منها لا يمتلك سوى قوت يومه.
وأشار مشير إلى وجود مرضى وأشخاص من ذوي الإعاقة بين السكان، بينهم من تعرضوا لإصابات وآثار جسدية ونفسية ناجمة عن الحروب التي شهدها العراق، فضلاً عن أشخاص شاركوا في الدفاع عن البلاد.
وتساءل عن الأساس القانوني لتصنيف السكان ضمن المتجاوزين رغم امتلاكهم، بحسب قوله، وثائق رسمية تتعلق بالأرض، مضيفاً: «بأي قانون وحق يُصنف أصحاب هذه الأرض حواسم وهم يمتلكون جميع الإثباتات الرسمية؟».
سندات منشورة في الوقائع العراقية
من جانبه، قال محمد منير، وهو أحد سكان المنطقة، لـ«المدى»، إن أرض الشعيبي، القريبة من كورنيش التنومة في قضاء شط العرب، يسكنها مزارعون وفلاحون توارثوا العيش فيها عبر أجيال.
وأوضح أن الأرض تعود، وفق الوثائق التي يحتفظ بها السكان، إلى التاجر الكويتي حسن الشعيبي، وأن ملكيتها موثقة بأوراق رسمية منشورة في جريدة الوقائع العراقية.
وأكد أن تلك الوثائق تدفع الأهالي إلى التمسك بما يعدونه حقوقاً قانونية، ورفض وصفهم بالمتجاوزين أو «الحواسم».
وأضاف منير أن السكان فوجئوا بإجراءات إزالة منازلهم وإحالة مساحة قُدرت بنحو 113 دونماً إلى الاستثمار، ما أثار مخاوف العائلات من فقدان مساكنها ومصدر استقرارها.
وتختلف المساحة التي ذكرها منير عن تقدير مختار المنطقة البالغ 130 دونماً، فيما لم تتوفر لـ«المدى» وثيقة نهائية تحدد المساحة المشمولة بالإحالة الاستثمارية أو الإزالة.
أراضٍ بديلة للمشاريع
وتساءل منير عن أسباب توجه الحكومة المحلية نحو الأراضي التي تضم منازل المواطنين لتنفيذ المشاريع الاستثمارية، في وقت توجد فيه مساحات صحراوية واسعة وغير مستغلة بمحافظة البصرة.
ورأى أن بالإمكان تخصيص أراضٍ أخرى لإقامة المشاريع، بدلاً من الدخول في نزاع مع السكان وتهديدهم بالإخلاء.
وطالب بمراجعة ملف الأرض والتحقق من الوثائق الرسمية والسجلات العقارية قبل المضي في أي إجراء قد يؤدي إلى إزالة المنازل وتشريد العائلات المقيمة فيها.
الحكومة المحلية: الأرض أميرية
في المقابل، قال مسؤول في الحكومة المحلية بالبصرة، طلب عدم الكشف عن اسمه، لـ«المدى»، إن الأرض محل النزاع لا تعدّ «ملكاً صرفاً» كما يقول السكان، وإنما هي أرض أميرية تعود ملكيتها إلى الدولة.
وأوضح أن محمد عويد الشعيبي كان تاجراً كويتياً، وأن الأرض كانت تحت تصرفه في وقت سابق، لكنها عادت لاحقاً إلى وزارة المالية بعد عدم استصلاحها.
وأضاف أن هذا الإجراء يرتبط بالوضع القانوني للأراضي الأميرية، التي تبقى ملكيتها للدولة وتخضع لضوابط محددة بشأن استغلالها والتصرف بها.
وأشار المسؤول إلى أن بعض الأشخاص استحوذوا على أجزاء من الأرض وباعوها إلى آخرين رغم عائديتها إلى الدولة، بحسب روايته، واصفاً إياهم بـ«الحواسم».
وأكد أن الإقامة في المنطقة لا تمنح شاغليها حق ملكية الأرض أو التصرف بها ما لم يقدموا مستندات قانونية معتمدة تثبت ذلك.
الوثائق تحسم النزاع
وبين رواية السكان الذين يتمسكون بسندات يقولون إنها تثبت ملكيتهم، وموقف الحكومة المحلية الذي يصنف الأرض ضمن أملاك الدولة، يبقى حسم النزاع مرتبطاً بتدقيق قيود التسجيل العقاري والوثائق المنشورة في الوقائع العراقية، فضلاً عن قرارات نقل الملكية والإحالة الاستثمارية.
كما يتطلب الملف توضيحاً رسمياً بشأن طبيعة سندات عام 1955، والأساس القانوني لانتقال الأرض إلى وزارة المالية والبلدية، وحقيقة الكتاب المنسوب إلى رئاسة الوزراء بشأن إلغاء الاستثمارات، إضافة إلى تحديد المساحة المشمولة بالمشروع.
ويطالب الأهالي بتعليق إجراءات الإزالة إلى حين حسم النزاع قانونياً، محذرين من أن تنفيذها قبل التحقق من الوثائق قد يؤدي إلى فقدان عشرات العائلات منازلها التي أقامت فيها على مدى أجيال.