متابعة/المدى
حذر اقتصاديون من تداعيات العقوبات الأمريكية الجديدة على إيران، مؤكدين أن طبيعة الحزمة الجديدة تختلف عن العقوبات السابقة، كونها تتجه إلى تحميل الدول مسؤولية ضبط مؤسساتها وأفرادها ومنع التعامل الاقتصادي مع طهران، فيما شددوا على ضرورة حماية الاقتصاد العراقي من تداعيات الصراع المالي والاقتصادي.
وقال رئيس المجموعة المستقلة للأبحاث منقذ داغر، خلال حديث متلفز تابعته(المدى) إن العقوبات الجديدة صُممت بصورة مختلفة، إذ انتقلت من استهداف الأفراد والشركات والبنود المصرفية إلى استهداف الدول بشكل مباشر، موضحاً أن المسؤولية أصبحت تقع على عاتق الدولة لضبط مؤسساتها وأفرادها ومنع أي تعامل اقتصادي مع إيران.
وأضاف أن العراق والدول المجاورة لا تملك السيطرة الكاملة على جميع المنافذ والشبكات التي بنتها إيران على مدى عقود لتفادي العقوبات، مشيراً إلى أن العقوبات الأمريكية لا تستند إلى قرار أممي، وإنما إلى قانون أمريكي عابر للحدود وإلى قدرة واشنطن على التحكم باستخدام الدولار.
وأوضح داغر أن الإجراءات تأتي في مرحلة استنزاف للاقتصاد الإيراني بالتزامن مع وجود حصار بحري، الأمر الذي قد يخلق تداعيات تبدأ من الولايات المتحدة وتنعكس على الأسواق والمواطنين بشكل مباشر.
من جانبه، قال المتخصص في الشأن الاقتصادي مصطفى أكرم حنتوش، خلال حديث تابعته(المدى) إن الاقتصاد الإيراني يعتمد في جزء كبير منه على الإنتاج المحلي، فيما ترتكز طهران في تبادلاتها التجارية على دول من بينها الهند ضمن اتحاد المقاصة الآسيوي، حيث تتم التبادلات بالعملات المحلية، مثل الروبية، بعيداً عن الدولار.
وأشار إلى أن تحركات واشنطن الهادفة إلى إخراج إيران أو تجميد عضويتها في اتحاد المقاصة الآسيوي ستكون عاملاً حاسماً ومؤثراً في الاقتصاد الإيراني، لافتاً إلى أن العقوبات والقيود مطبقة بالفعل في أغلب دول الخليج، مع وجود استثناءات محدودة ومكشوفة مع دول معينة مثل تركيا والإمارات.
وفي ما يتعلق بالعلاقات العراقية الإيرانية، أكد حنتوش أن العراق غير ملزم بأي تصريحات إيرانية تدعوه إلى التخلي عن التعامل بالدولار أو تحدد له مسارات خطوط أنابيب النفط، مشدداً على ضرورة بناء علاقات متوازنة مع إيران باعتبارها دولة جارة تجمعها بالعراق حدود ومصالح مشتركة.
ودعا إلى استثمار السلع الأولية الرخيصة بما يخدم الاقتصاد العراقي من دون الإضرار به، فيما أشار إلى أن العراق رفض مقترحات تتعلق بربط سككي أو تدخل خارجي قد يؤثر على السيادة الاقتصادية لمشروع ميناء الفاو، مؤكداً أن العمل يجري عبر شركات استشارية لتحديد النموذج الاستثماري المناسب.
بدوره، رأى داغر أن النفوذ الاقتصادي والسياسي يمثل أحد أبرز التحديات أمام استقلال القرار الاقتصادي العراقي، مستشهداً بتصميم محطات كهربائية عراقية على الاعتماد على الغاز الإيراني، بدلاً من استثمار الغاز المحلي أو إقامة منصات للغاز المسال.
وأشار إلى أن مشاريع خطوط الأنابيب البديلة، ومنها نقل النفط من البصرة عبر العقبة أو طرق أخرى، واجهت عراقيل مستمرة، مؤكداً أن الاقتصاد العراقي مرتبط بشكل كبير بالنظام المالي العالمي والاحتياطي الفيدرالي والدولار، الأمر الذي يجعله ملزماً بالالتزام بالعقوبات لتفادي العزل الاقتصادي أو إلحاق الضرر بمصالح المواطنين.
القطاع المصرفي
وفي شأن القطاع المصرفي، أوضح حنتوش أن المصارف التي فرضت عليها العقوبات تعرضت لذلك بسبب مخالفات أو تحويلات إلى جهات محظورة وفق ضوابط مكتب مراقبة الأصول الأجنبية “أوفاك”، فيما جرى تكليف شركة “أوليفر وايمن” بتدقيق المصارف المتبقية والتأكد من امتثالها للمواصفات الدولية.
ولفت إلى أن حجم التجارة العراقية مع تركيا والإمارات يتجاوز حالياً حجم التجارة مع إيران، مبيناً أن السوق العراقية تفضل المنتجات التركية والصينية وغيرها، فيما يواصل العراق الالتزام بالمعايير وإجراءات التدقيق المنظمة على الحوالات منذ عام 2023، عبر منصات وشركات تدقيق عالمية.
وحذر داغر من أن الحرب المالية لا تستهدف النقد والتحويلات المصرفية فقط، وإنما التجارة وجميع مصادر الأموال، ما قد ينعكس على استيراد الغاز والكهرباء، مشدداً على أن عدم الامتثال للعقوبات الشاملة قد يعرض الاقتصاد العراقي برمته لقيود دولية.
تنويع الاقتصاد
وفي المقابل، أكد حنتوش إمكانية بناء اقتصاد عراقي أكثر تنوعاً من خلال استثمار القطاعات المحلية، مبيناً أن استصلاح واستغلال الأراضي التابعة للدولة يمكن أن يرفع مساهمة الزراعة إلى 20% من الناتج القومي.
وأشار إلى أهمية تفعيل المدن والمواقع الصناعية التابعة لوزارة الصناعة بما يسهم في تشغيل ملايين العاطلين، إلى جانب تطوير السياحة والترانزيت الجوي وفرض رسوم مدروسة وتطوير القطاع الفندقي.
وشدد على أن نجاح هذه الخطوات يتطلب القضاء على الفساد وتوفر إرادة حقيقية لبناء دولة مؤسسات والابتعاد عن الارتهان للنفط.
من جهته، رأى داغر أن مفهوم التحرر الاقتصادي الكامل لم يعد واقعياً في ظل العولمة، موضحاً أن جميع الدول مرتبطة بالاقتصاد العالمي، وحتى القوى الكبرى مثل الصين تتداخل مصالحها الاقتصادية مع الولايات المتحدة بمستويات ضخمة.
وأكد أن معالجة الأزمة تتطلب التعامل مع الواقع الحالي لحماية أموال العراق الموجودة في الخارج والحفاظ على استقراره، مشيراً إلى أن الإصلاح الاقتصادي يحتاج إلى سنوات طويلة وإرادة جادة.
النفط ومضيق هرمز
وفي ما يتعلق بتصدير النفط العراقي عبر مضيق هرمز، أوضح حنتوش أن أزمة التأمين والناقلات دفعت العراق إلى تقديم خصومات والتنسيق بشأن ممرات آمنة عبر سلطنة عُمان وإيران بهدف رفع معدلات التصدير اليومية.
وأضاف أن إيقاف نحو 60% من الطاقة الإنتاجية للآبار يمثل حالة طوارئ فنية، مبيناً أن استعادة كامل الطاقة الإنتاجية تحتاج إلى عدة أشهر بسبب الحاجة إلى إعادة عمليات الحقن وضبط العمليات التشغيلية.
وتعكس هذه المعطيات، بحسب متخصصين، حجم الترابط بين العقوبات المفروضة على إيران وبين حركة التجارة والطاقة والقطاع المالي في العراق، ما يجعل تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط والطاقة المستوردة من أبرز التحديات أمام بغداد خلال المرحلة المقبلة.