متابعة/المدى
وصلت إلى المملكة العربية السعودية طائرات مقاتلة وقوات عسكرية باكستانية، في خطوة تأتي ضمن تفعيل اتفاق دفاعي مشترك بين الرياض وإسلام آباد تم توقيعه العام الماضي، وذلك بالتزامن مع استضافة إسلام آباد محادثات إيرانية ـ أمريكية تهدف إلى إنهاء الحرب مع إيران، وسط مؤشرات على عدم تحقيق اختراق جوهري حتى الآن، واستمرار الحديث عن إمكانية عقد جولة تفاوضية جديدة خلال الفترة المقبلة.
وأوضحت وزارة الدفاع السعودية أن هذا الانتشار العسكري يندرج ضمن إطار تعزيز التعاون الدفاعي المشترك بين البلدين، وبما يسهم في دعم الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي، في حين نقلت وكالة “رويترز” عن مسؤول باكستاني ـ فضّل عدم الكشف عن هويته ـ تأكيده أن هذه القوات “ليست لمهاجمة أحد”.
ويثير هذا التطور تساؤلات متعددة بشأن توقيته ودلالاته الاستراتيجية، ومدى ارتباطه بمستقبل الضمانات الأمنية الأمريكية في منطقة الخليج، إضافة إلى التحديات المحتملة المتعلقة بمدى توافق الأنظمة والتقنيات العسكرية الباكستانية، التي تعتمد بدرجة كبيرة على التكنولوجيا الصينية، مع المنظومات الدفاعية الأمريكية المستخدمة في السعودية، فضلاً عن انعكاساته على دور باكستان كوسيط دبلوماسي مقبول لدى أطراف متباينة.
تحوّط استراتيجي وتعدد مظلات الردع
يرى مراقبون أن التحرك السعودي باتجاه تعميق التعاون الدفاعي مع باكستان، والذي تبلور عبر اتفاق دفاعي وُقّع قبل نحو عام، يعكس توجهاً لإضافة طبقة جديدة من الردع الاستراتيجي، بما يمنح الرياض هامشاً أوسع للمناورة، ويقلل من الاعتماد الحصري على الولايات المتحدة، خاصة في ظل تزايد التحفظات الخليجية غير المعلنة بشأن بعض القرارات العسكرية الأمريكية في الإقليم، وما قد يترتب عليها من تداعيات مباشرة على أمن دول الخليج.
ويشير هؤلاء إلى أن هذا التوجه يأتي في سياق مخاوف خليجية من اتساع رقعة الصراع الإقليمي، خصوصاً بعد أن تعرضت منشآت في المنطقة لهجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ، يُعتقد أن بعضها ارتبط بالحرس الثوري الإيراني، ما دفع بعض الدول إلى إعادة تقييم منظومات الردع والدفاع لديها.
وفي هذا السياق، اعتبر الخبير الأمني والاستراتيجي السعودي حسن الشهري أن انتشار القوات الجوية الباكستانية في المملكة يمثل تحولاً في سياسة تنويع الشراكات الدفاعية، واصفاً الخطوة بأنها “تحوّط استراتيجي ذكي”، لأنها تجمع بين الحفاظ على الشراكة مع واشنطن، وفي الوقت نفسه بناء مسار ردع موازٍ مع باكستان.
وأشار الشهري إلى أن اتفاقية الدفاع المشترك الاستراتيجية (SMDA) التي وُقعت بين الجانبين في سبتمبر/أيلول 2025 تنص على أن أي اعتداء على أحد الطرفين يُعد اعتداءً على الطرف الآخر، وهو ما يضفي بعداً قانونياً واستراتيجياً على التحرك العسكري الحالي، ويعكس، بحسب وصفه، تزايد الحاجة الخليجية إلى تنويع مصادر الضمانات الأمنية.
ويرى الشهري أن هذا التطور قد يرفع كلفة أي هجوم محتمل من قبل إيران أو حلفائها أو أي طرف آخر، ما قد يدفع هذه الأطراف إلى إعادة حساباتها قبل اتخاذ أي خطوة عسكرية ضد السعودية أو دول الخليج.
اختبار فعلي للاتفاق الدفاعي
ويأتي وصول هذه القوات بعد أشهر من اندلاع الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية مع إيران، ما يجعل هذا الانتشار بمثابة اختبار عملي أول لمدى جدية تفعيل الاتفاق الدفاعي بين الرياض وإسلام آباد، حتى وإن كانت المهمة المعلنة لهذه القوات ذات طابع غير هجومي، وفق ما أكده المسؤول الباكستاني لوكالة رويترز.
وكانت السعودية قد طلبت دعماً عسكرياً من باكستان خلال تدخلها في حرب اليمن عام 2015، إلا أن البرلمان الباكستاني رفض حينها المشاركة. ويشير الشهري إلى أن السياق الحالي مختلف، في ظل وجود اتفاق دفاعي رسمي بين البلدين.
في المقابل، يوضح الصحافي الأمريكي المتخصص في الشؤون الدفاعية سيباستيان روبلن أن الحرب في اليمن شهدت تدخلاً سعودياً برياً ذا طابع هجومي، بينما يقتصر الموقف السعودي في المرحلة الحالية على الدفاع، ما يعكس تغيراً في طبيعة الاشتباك الإقليمي.
رسائل سياسية
من جانبه، يرى الباحث المصري الدكتور مصطفى شلش، مدير وحدة دراسات جنوب آسيا في مركز الدراسات العربية الأوراسية، أن وجود القوات الباكستانية في السعودية يحمل بعداً رمزياً أكثر من كونه مشاركة عسكرية قتالية واسعة، مشيراً إلى أنه يعكس التزاماً سياسياً ورسالة وفاء من إسلام آباد لحلفائها، خاصة في ظل تساؤلات أُثيرت حول دورها خلال الفترة الأخيرة.
ويضيف شلش أن باكستان تُعد قوة عسكرية نووية، لكنها تعاني من ضعف اقتصادي وتعتمد بشكل كبير على الدعم الخارجي، لا سيما من دول الخليج، سواء عبر العمالة أو المساعدات المالية، لافتاً إلى تقارير غير مؤكدة تحدثت عن حزم دعم مالي سعودية وقطرية لباكستان.
ويربط شلش هذا التطور أيضاً ببعد اقتصادي ـ سياسي أوسع، في ظل تداخل العلاقات الإقليمية وتعدد ملفات التعاون بين الأطراف المعنية.
بين “غيرة التحالف” وإعادة تشكيل النفوذ
في المقابل، يرى الصحافي الأمريكي سيباستيان روبلن أن السعودية تسعى إلى تنويع تحالفاتها الدفاعية في إطار ما وصفه بمحاولة “إثارة منافسة داخل التحالفات”، بهدف دفع الولايات المتحدة إلى الحفاظ على التزامها الأمني تجاه الخليج، خشية فقدان موقعها لصالح قوى أخرى.
ويضيف أن الوجود العسكري الباكستاني في السعودية يمنح الرياض ورقة إضافية في موازنة علاقاتها الدولية، ويعزز قدرتها على استقطاب شركاء جدد إلى جانب واشنطن.
غير أن روبلن يحذر في الوقت نفسه من أن هذا التواجد قد يثير حساسيات إقليمية، خصوصاً تجاه إيران، مشيراً إلى أن أي حادث ميداني قد يطال قوات باكستانية في الخليج قد يفتح الباب أمام تصعيد أوسع نظراً للحدود المشتركة بين إيران وباكستان.
تحديات دمج الأنظمة العسكرية
تعتمد السعودية في منظومتها الدفاعية على مزيج من الأنظمة الغربية، وفي مقدمتها منظومات “ثاد” و”باتريوت” الأمريكية، إلى جانب أنظمة أخرى من كوريا الجنوبية وروسيا والصين وتركيا وأوكرانيا، وفق طبيعة التهديدات.
أما باكستان، فتعتمد بنحو 80% من تسليحها على المعدات الصينية، خاصة في مجالات الطيران والدبابات والصواريخ، بينما تشمل النسبة المتبقية أنظمة أمريكية وفرنسية مثل مقاتلات F-15 و”ميراج” وناقلات الجند M113.
ويرى الشهري أن هذا التنوع قد يشكل تحدياً تقنياً، لكنه في الوقت نفسه قد يتحول إلى عنصر قوة إذا ما تم تنسيق الأنظمة بشكل متكامل، بما يخلق طبقات دفاعية متعددة.
لكن روبلن يشير إلى أن اختلاف المنظومات قد يخلق صعوبات في الربط العملياتي، خاصة بين المقاتلات الباكستانية من طراز JF-17 وأنظمة الدفاع الجوي السعودية، محذراً من مخاطر “النيران الصديقة” والحاجة إلى مستويات عالية من التنسيق المشترك.
في المقابل، يرى الدكتور شلش أن امتلاك باكستان خبرة في تشغيل أنظمة متعددة، بينها الغربية والصينية، قد يخفف من حدة هذه التحديات.
باكستان ودور الوسيط الإقليمي
ويطرح الانتشار العسكري الباكستاني تساؤلات حول قدرة إسلام آباد على الحفاظ على دورها كوسيط في المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل انخراطها الأمني مع السعودية.
ويرى شلش أن باكستان لا تمتلك تاريخاً طويلاً في الوساطة الدولية، لكنها استفادت من تراجع أدوار وسطاء تقليديين في المنطقة، مثل قطر وسلطنة عمان، إلى جانب علاقاتها المتوازنة مع الصين وإيران، وعدم وجود علاقات مع إسرائيل، ما يمنحها هامشاً للتحرك.
كما يشير إلى أن وجود روابط اجتماعية ودينية داخل باكستان، إضافة إلى التداخلات الإقليمية، قد يسهم في تعزيز ما وصفه بـ”الحياد النشط” في السياسة الباكستانية، ما دامت المهام العسكرية الحالية ذات طابع دفاعي وليست هجومية.