متابعة/المدى
تتصاعد التحديات النفسية والاجتماعية والسلوكية داخل الوسط التعليمي، تتجدد الدعوات إلى تعزيز دور الإرشاد التربوي والصحة النفسية في المدارس العراقية، باعتبارهما عنصرين أساسيين لضمان بيئة تعليمية متوازنة قادرة على احتواء الطلبة ودعمهم أكاديمياً ونفسياً.
أعادت التحديات النفسية والسلوكية المتزايدة التي يواجهها الطلبة داخل المؤسسات التعليمية في العراق ملف الإرشاد التربوي إلى الواجهة، وسط تأكيدات على أنه لم يعد مجرد دور ثانوي، بل أصبح ضرورة ملحة ترتبط بجوهر العملية التعليمية الحديثة، في ظل ضغوط اجتماعية واقتصادية وتأثيرات رقمية متسارعة انعكست على سلوك الطلبة وتحصيلهم الدراسي.
وفي هذا السياق، ترى التدريسية هناء جبار، خلال حديث تابعته(المدى) أن وجود المرشد التربوي في المدارس لم يعد خياراً تنظيمياً بل حاجة أساسية فرضتها التحولات الاجتماعية والنفسية التي يشهدها الطلبة، مشيرة إلى أن عدداً كبيراً من المدارس العراقية ما يزال يفتقر إلى هذا الاختصاص رغم أهميته المتزايدة.
وتوضح جبار أن نسب توفر المرشدين التربويين لا تزال محدودة جداً مقارنة بعدد المدارس، لافتة إلى أن المدارس الابتدائية هي الأكثر تضرراً من هذا النقص، رغم كونها المرحلة الأكثر حاجة إلى التوجيه والدعم النفسي والسلوكي.
وتضيف أن المعلمين ومرشدي الصف غالباً ما يُكلفون بمهام إضافية تربوية وتعليمية خارج نطاق اختصاصهم، ما يحد من قدرتهم على تقديم دعم نفسي متخصص للطلبة، نتيجة ضغط الوقت وكثرة الأعباء المرتبطة بالمناهج الدراسية.
وتشير إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تصاعداً في السلوكيات السلبية بين الطلبة، وهو ما تعزوه إلى الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي مر بها المجتمع، إضافة إلى التأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي والانفتاح الواسع على المحتوى الرقمي.
كما تلفت جبار إلى أن الطالب اليوم يتعرض لمؤثرات متعددة داخل وخارج المدرسة، ما يستدعي وجود مختص قادر على فهم هذه المؤثرات والتعامل معها وتوجيه الطالب نحو سلوك إيجابي وبناء شخصية متوازنة.
وتؤكد أن العديد من الطلبة ينحدرون من بيئات أسرية تعاني التفكك أو الفقر أو فقدان أحد الوالدين أو النزاعات المستمرة، وهي عوامل تترك آثاراً مباشرة على سلوكهم ومستواهم الدراسي، ما يجعل دور المرشد التربوي أساسياً في سد هذا الفراغ النفسي والاجتماعي ومساعدة الطالب على تجاوز أزماته.
وتضيف أن الإرشاد التربوي يسهم في تخفيف الضغط عن إدارات المدارس والكادر التدريسي من خلال متابعة المشكلات السلوكية والنفسية والاجتماعية قبل تفاقمها، فضلاً عن دوره في الحد من التسرب الدراسي والانقطاع المبكر عن التعليم.
وفي المقابل، تنتقد جبار ما تصفه بتهميش دور المرشد التربوي داخل بعض المدارس، حيث يتم تكليفه بمهام إدارية أو تعليمية لا ترتبط بوظيفته الأساسية، مما يضعف قدرته على أداء دوره الحقيقي في المتابعة والإرشاد.
وتوضح أن بعض الإدارات تلجأ إلى الاستعانة بالمرشد التربوي لسد النقص في الكوادر التدريسية، عبر إسناد حصص دراسية أو أعمال إدارية له، وهو ما ينعكس سلباً على جودة الخدمات الإرشادية المقدمة للطلبة.
كما تؤكد أن من أبرز مهام المرشد التربوي متابعة السجلات المدرسية للطلبة ورصد تطورهم السلوكي والأكاديمي منذ المراحل الأولى وحتى المراحل الدراسية المتقدمة، إلى جانب التنسيق المستمر مع الإدارة ومرشدي الصفوف.
وتدعو في ختام حديثها إلى إعادة تقييم واقع الإرشاد التربوي في المدارس، وتوفير عدد كافٍ من المرشدين لتغطية جميع المراحل الدراسية، مع إمكانية الاستفادة من خريجي التخصصات النفسية والاجتماعية عبر التعاقد معهم، بما يسهم في سد النقص وتطوير المنظومة الإرشادية.
من جانبها، ترى الناشطة في مجال التعليم منى جعفر، خلال حديث تابعته(المدى) أن واقع الصحة النفسية في المدارس العراقية ما يزال دون المستوى المطلوب، في ظل تزايد الضغوط التي يتعرض لها الطلبة نتيجة الظروف الاقتصادية والاجتماعية المعقدة.
وتوضح أن المدرسة اليوم لم تعد مجرد مكان لتلقي التعليم، بل بيئة يعيش فيها الطلبة تحديات متعددة تنعكس بشكل مباشر على سلوكهم وقدرتهم على التعلم، ما يستدعي توفير دعم نفسي متخصص إلى جانب العملية التعليمية.
وتشير إلى أن العديد من المشكلات السلوكية مثل العنف والتنمر والانطواء وضعف التركيز والتسرب الدراسي غالباً ما يتم التعامل معها كقضايا سلوكية سطحية، في حين أنها في حقيقتها مؤشرات على أزمات نفسية أعمق تحتاج إلى تدخل متخصص.
وتؤكد أن غياب التشخيص المبكر يؤدي إلى تفاقم هذه المشكلات دون معالجة فعالة، مشيرة إلى أن ضعف الاهتمام بالصحة النفسية لا يرتبط فقط بنقص الكوادر المتخصصة، بل أيضاً بضعف الوعي المجتمعي بأهمية هذا المجال.
وتضيف أن بعض الأسر والمؤسسات التعليمية ما تزال تنظر إلى المشكلات النفسية باعتبارها مسائل ثانوية، رغم تأثيرها المباشر على التحصيل الدراسي والاستقرار النفسي والاجتماعي للطلبة.
كما تشير إلى أن الظروف التي مر بها العراق خلال السنوات الماضية، بما في ذلك الأزمات الاقتصادية والنزوح والصراعات، تركت آثاراً نفسية واضحة على شريحة واسعة من الأطفال واليافعين، ما يتطلب استجابة مؤسساتية منظمة تتناسب مع حجم التحديات.
وتشدد على ضرورة تعزيز دور الإرشاد التربوي وتوفير كوادر متخصصة ومدربة، إلى جانب إدخال برامج توعوية تستهدف الطلبة وأولياء الأمور والمعلمين، بهدف بناء وعي شامل بالصحة النفسية داخل البيئة التعليمية.
وتختتم بالتأكيد على أهمية خلق بيئة مدرسية آمنة وداعمة يشعر فيها الطالب بالثقة والاحترام والقدرة على التعبير عن مشكلاته دون خوف، معتبرة أن نجاح العملية التعليمية لا يقاس بالتحصيل الدراسي فقط، بل بقدرة المدرسة على بناء شخصية متوازنة نفسياً واجتماعياً.