متابعة / المدى
يشكّل مضيق هرمز واحداً من أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، نظراً لموقعه الجغرافي الحاكم على بوابة الخليج العربي، ودوره الحيوي في تمرير كميات ضخمة من صادرات النفط والغاز إلى الأسواق العالمية. ورغم أن عرضه لا يتجاوز في أضيق نقاطه نحو 33 كيلومتراً، إلا أن أهميته الاقتصادية تتجاوز حدوده بكثير، كونه يمر عبره جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية يومياً، ما يجعله نقطة حساسة في معادلة الأمن الاقتصادي والجيوسياسي الدولي.
وفي ظل التصعيدات العسكرية الأخيرة في المنطقة وتعطل حركة الملاحة في المضيق، تتصاعد التحذيرات من تداعيات طويلة الأمد على أسواق الطاقة العالمية، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى البدائل المتاحة وقدرتها على تعويض الإمدادات المفقودة أو تقليل حجم الانعكاسات الاقتصادية.
ويؤكد مختصون في شؤون الطاقة، في حديث تابعته (المدى)، أن أي إغلاق ممتد لمضيق هرمز سيقود إلى صدمة مباشرة في أسواق النفط والغاز، مع احتمال ارتفاع الأسعار إلى مستويات تتجاوز حاجز 100 دولار للبرميل في حال استمرار اضطراب الإمدادات، نتيجة انخفاض المعروض وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري، إضافة إلى المخاطر الجيوسياسية المتزايدة.
ويُشار إلى أن مضيق هرمز يمر عبره نحو ربع تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً، إضافة إلى نسبة مهمة من صادرات الغاز الطبيعي المسال، لا سيما من قطر، ما يجعله أحد أكثر الممرات البحرية تأثيراً على استقرار أسواق الطاقة الدولية.
وتشير المعطيات إلى أن الدول الآسيوية ستكون الأكثر تضرراً في حال استمرار الاضطراب، نظراً لاعتمادها الكبير على واردات النفط والغاز من دول الخليج، حيث ترتبط اقتصاداتها الصناعية والاستهلاكية بشكل مباشر بتدفق الإمدادات عبر هذا الممر الحيوي.
وفي موازاة ذلك، تعتمد بعض الدول الخليجية على خطوط أنابيب بديلة لتقليل الاعتماد على المضيق، إلا أن هذه البدائل تبقى محدودة القدرة مقارنة بحجم الصادرات الفعلية.
ففي السعودية، ينقل خط الأنابيب شرق–غرب النفط من حقول الخليج إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر بطاقة تصميمية تصل إلى نحو 5 ملايين برميل يومياً، إلا أن التشغيل الفعلي يكون أقل من ذلك بكثير، ما يعني أنه لا يغطي كامل الطاقة التصديرية في الظروف العادية، فضلاً عن التحديات الأمنية التي قد تواجه مسارات النقل عبر البحر الأحمر.
وفي الإمارات، يوفر خط حبشان–الفجيرة منفذاً استراتيجياً لتصدير النفط إلى خارج مضيق هرمز، بطاقة تقارب 1.5 مليون برميل يومياً، إلا أن إجمالي الصادرات الإماراتية يتجاوز هذه القدرة، ما يجعل الخط بديلاً جزئياً وليس شاملاً في حالات الإغلاق الكامل.
أما في العراق، فيُعد خط كركوك–جيهان عبر تركيا أحد أهم مسارات التصدير نحو البحر المتوسط، وقد عاد للعمل بعد توقف طويل، مع خطط لزيادة كميات التصدير تدريجياً، إلا أن طاقته تبقى محدودة مقارنة بالإنتاج الكلي للبلاد، ما يبقي جزءاً من الصادرات معتمداً على المنافذ التقليدية.
كما يظل مشروع خط البصرة–العقبة أحد أبرز المشاريع المقترحة لتجاوز مضيق هرمز بالكامل، غير أن تنفيذه ما يزال متعثراً بسبب كلفته العالية وتعقيداته السياسية والأمنية، رغم أهميته الاستراتيجية في حال تنفيذه.
وفيما يتعلق بصادرات الغاز الطبيعي المسال، خصوصاً من قطر، فإنها تواجه تحدياً أكبر، إذ لا توجد حتى الآن بدائل عملية لنقل هذه الشحنات بعيداً عن مضيق هرمز، ما يجعل سوق الغاز أكثر حساسية لأي اضطراب في حركة الملاحة، مع احتمالات سريعة لارتفاع الأسعار عالمياً، خاصة في الأسواق الأوروبية والآسيوية.
كما تنعكس التوترات في المضيق على أسواق التأمين البحري، حيث ترتفع أقساط التأمين على السفن العابرة لمناطق النزاع بشكل كبير، ما يضيف كلفة إضافية على عمليات الشحن، وينعكس بدوره على أسعار الطاقة النهائية التي تصل إلى المستهلك، بما يشمل الوقود والكهرباء والسلع الأساسية.
وتشير التقديرات إلى أن أي اضطراب طويل في مضيق هرمز لن يقتصر أثره على أسواق الطاقة فقط، بل سيمتد إلى الاقتصاد العالمي ككل، عبر موجة تضخمية ناتجة عن ارتفاع كلف النقل والطاقة، وتراجع الاستقرار في سلاسل الإمداد الدولية.